كتب رفيق نصرالله :
نعم حدث هذا في الستينات وتحديداً في عام 1965... في إحدى القرى الجنوبية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة.
أبو موسى القروي الجنوبي الذي كان يرمي نظره كل يوم نـحو كتف فلسطين في الجليل مات من الخجل الوطني!...
تقول الحكاية إن الرجل كان يسترخي مع بعض أبناء قريته على "السطيحة" بعد تعب يوم طويل، راح يرشف الشاي معتزاً بزواره وبالراديو الذي كان يحتل مكانة في زاوية (القعدة)، أم كلثوم تغني (حيرت قلبي معاك) والزوار يتحدثون ويرشفون الشاي الذي كان يوزعه أبو موسى في كاسات صغيرة والجميع ينتظر نشرة الأخبار.
أبو موسى القروي الجنوبي الذي كان يرمي نظره كل يوم نـحو كتف فلسطين في الجليل مات من الخجل الوطني!...
تقول الحكاية إن الرجل كان يسترخي مع بعض أبناء قريته على "السطيحة" بعد تعب يوم طويل، راح يرشف الشاي معتزاً بزواره وبالراديو الذي كان يحتل مكانة في زاوية (القعدة)، أم كلثوم تغني (حيرت قلبي معاك) والزوار يتحدثون ويرشفون الشاي الذي كان يوزعه أبو موسى في كاسات صغيرة والجميع ينتظر نشرة الأخبار.
فجأة تنتهي أغنية أم كلثوم ليخرج صوت غريب من الراديو ويقول: "هنا إذاعة إسرائيل من أورشليم القدس".
كأنك رميت قنبلة صوتية بين الحضور الذين تبعثروا بكل اتجاه، وقفز أبو موسى من مكانه رامياً كباية الشاي والإبريق والصينية كلها.
شعر الجميع كما لو أن زلزالاً قد وقع ، ضرب أبو موسى كفاً بكف مستغرباً، ناظراً إلى الجميع الذين صوبوا عيونهم القاسية نـحوه.
صرخ: "والله يا جماعة مش قصدي... أكيد حدا لاعب بالابرة... بعمري ما سمعت هالإذاعة!.. أم كلثوم ومن إسرائيل تساءل بصوت مرتجف... يا ويلي... يا ويلي...".
راح يضرب رأسه بيده كما لو أنه فقد عزيزاً أو غالياً...
نهض الجالسون واحداً تلو الآخر... كل يرمي بكلمات غير مفهومة وهو يحاول الإمساك بهم "يا جماعة... يا جماعة... " ... إلى أن صار وحيداً .
كأنك رميت قنبلة صوتية بين الحضور الذين تبعثروا بكل اتجاه، وقفز أبو موسى من مكانه رامياً كباية الشاي والإبريق والصينية كلها.
شعر الجميع كما لو أن زلزالاً قد وقع ، ضرب أبو موسى كفاً بكف مستغرباً، ناظراً إلى الجميع الذين صوبوا عيونهم القاسية نـحوه.
صرخ: "والله يا جماعة مش قصدي... أكيد حدا لاعب بالابرة... بعمري ما سمعت هالإذاعة!.. أم كلثوم ومن إسرائيل تساءل بصوت مرتجف... يا ويلي... يا ويلي...".
راح يضرب رأسه بيده كما لو أنه فقد عزيزاً أو غالياً...
نهض الجالسون واحداً تلو الآخر... كل يرمي بكلمات غير مفهومة وهو يحاول الإمساك بهم "يا جماعة... يا جماعة... " ... إلى أن صار وحيداً .
نظر حوله وقال: "يا ويلك يا أبو موسى على هالعلقة"... ماذا ستقول للضيعة التي سينتشر فيها الخبر... ماذا سأقول لفلاحي المنطقة... كيف سأنظر الى صورة عبد الناصر المعلقة على الجدار والله يا أبو خالد "مش مقصودة"...
طأطأ أبو موسى رأسه نـحو الأرض، دخل داره ولم يخرج...
تحاول أم موسى ان تهدىء من روعه، لكنه ظل ينظر اليها دون ان تخرج منه ولو كلمة واحدة، دموعه التي تحجرت في عينيه وحدها كانت تتكلم.
لم يذهب أبو موسى كعادته الى الحقل، ولم يفتح بابه لكي يأتي الأصحاب الى جلسة الشاي، ولم يجرؤ ان يمد يده نـحو الراديو ليعبث به مرة أخرى.
مضت أيام... أبو موسى قلّ طعامه، شحب لونه، كثر تدخينه، زادت تنهداته وأم موسى تحاول دون فائدة.
وفي اليوم السادس...
إستفاقت أم موسى لترى زوجها يجلس قبالة زاوية من زوايا البيت وقد أدار ظهره لها وللدار ... وبدا مثل صخرة.
نادته... لم يرد...
أبو موسى... أبو موسى...
هزته... هوى كشجرة يابسة إغتالها العطش ...
في اليوم السادس صار أبو موسى يابساً مثل الخشبة التي حمل عليها ليدفن قبل آذان الظهر.
مات أبو موسى من الخجل!... مات أبو موسى من الخجل الوطني!...
وما زال كثيرون منا أحياء... بلا خجل...









